زيارة قداسة البابا فرنسيس إلى العراق
رسالة أخوات يسوع الصغيرات في العراق عن زيارة البابا فرنسيس التاريخية في آذار 2021 وما حملته من رجاء وسلام.
11/03/2021
يسوع محبة
أخواتنا العزيزات في كل مكان… سلام الرب معكم جميعاً
عندما تم الإعلان عن زيارة قداسة البابا بتاريخ 5-8 آذار للعراق، كنا كالحالمين، حينئذ امتلأت أفواهنا ضحكاً وقلوبنا رجاء. ولتحقيق هذا الحلم كان يبين صعب إن لم نقل مستحيل لعدة أسباب: منها ظروف أمنية لبلدنا وعدم استقراره والهجمات المسلحة العشوائية، كان هناك معركة ساخنة في مدينة الناصرية طريق أور، كذلك قبل يومين من الزيارة كان هناك قصف 10 صواريخ على قاعدة عين الأسد الأمريكية، كذلك قصفت قاعدة أمريكية قرب مطار أربيل بـ 17 صاروخ، وأيضاً الموجة الجديدة لجائحة الكورونا. ومع كل التعليقات في البلد: هل قداسة البابا مجنون يأتي إلى العراق؟ ولكن البابا فرنسيس الآتي باسم الرب أظهر لنا بأنه أب حنون ولم يشأ بأن يخذل الشعب العراقي للمرة الثانية وأصر على المجيء رغم كل العراقيل والتحديات والعنف والخوف الكبير… وهذا أدخل الفرحة إلى قلوب العراقيين المتعطشين للفرح وخاصة للفرح مع مسلمين ومسيحيين وكل أطياف الشعب العراقي.
بدأت الكنيسة تتحضر لهذه الزيارة، حيث دعا سيادة البطريرك مار لويس ساكو كل المؤمنين بتلاوة صلاة خاصة يومياً مؤلفة من قبله. ودعا رؤساء الطوائف أو الممثلين عنهم للقاء مع بعض، التقوا تقريباً مرتين، كذلك مع الحكومة في بغداد، وأيضاً مع حكومة إقليم كردستان. وتشكلت أيضاً لجان من علمانيين وإكليروس للتحضير معاً.
وبدأت الراهبات الموجودة في سهل نينوى من ضمنهم نحن بالتحضيرات لتوعية وتحضير المؤمنين بأهمية الزيارة وبالتعاون مع كهنة الرعايا المختلفة، حيث تم تنظيم لقاء للشباب في قرقوش وتخلله الصلوات وشهادات الحياة والأهازيج وبحضور المطارين والإكليروس، وأيضاً احتفلنا مع شباب والرعية في كرمليس وبعد ذلك في بعشيقة، وهذا ما عزز الأواصر بين الرعايا المختلفة وعملنا خبرة العمل معاً والتي ليست سهلة دائماً. ولكن قدرنا أن نتجاوز الصعوبات لإنجاح اللقاءات.
الأماكن التي تم اختيارها لزيارته تعبر بنفسها عن المآسي التي عاشها العراق وهي:
- كنيسة سيدة النجاة، كنيسة الشهداء للسريان الكاثوليك حيث قتل 48 شخص من ضمنهم اثنان من الآباء، ما عدا الجرحى نتيجة تفجير الكنيسة في عام 2010 من قبل الإرهابيين.
- مدينة النجف المقدسة، الموجود فيها المرجع الديني الأعلى للشيعة آية الله علي السيستاني.
- مدينة أور مسقط رأس أبو المؤمنين «إبراهيم» وهي الشخصية المشتركة بين الديانات التوحيدية الثلاثة.
- كاتدرائية مار يوسف الذي فيها احتفل البابا بالذبيحة الإلهية بالطقس الشرقي الكلداني، بحضور أخواتنا رجاء ورجاء نور.
- مدينة الموصل خاصة حوش الكنيسة المدمرة اليوم كلياً، كانت تتواجد فيها جميع الطوائف. كانت الأخوة متواجدة في هذا المكان منذ أكثر من ستين سنة.
- بلدة قرقوش من ضمن عشرات القرى التي تم تدميرها على يد داعش، وهي تمثل أكبر تجمع وحضور للكنيسة السريانية الكاثوليكية.
- مدينة أربيل، عاصمة كردستان العراق، والتي فتحت أبوابها لمئات الآلاف من المسيحيين والإيزيديين والمسلمين الفارين من تنظيم داعش.
باشرت الحكومة بتبليط الشوارع وتزيينها، مع صور البابا وكلماته «أنتم جميعاً إخوة» وبأعلام العراق والفاتيكان فقط بكل مكان يذهب إليه البابا… إلخ، وهو أول بابا يصر لقدوم أرض العراق، بالرغم من عمره ووضعه الصحي.
أرافقكم حاجاً تائباً لكي ألتمس من الرب المغفرة والمصالحة بعد سنين الحرب والإرهاب… جئت بشوق السلام لأكرر «أنتم جميعاً إخوة». تدفعني الرغبة في أن نصلي معاً ونسير معاً.
كان في البلد حظر تجوال كلي لم تشهده من قبل، للأيام الجمعة والسبت والأحد، والشوارع مغلقة مع انتشار قوى الأمن بكثافة غير طبيعية، وعلى المدعوين المشاركين في الفعاليات المختلفة حمل تصاريح أمنية مع الدعوة التي تتطلب التدقيق. الكثير كان يرغب بالحضور ولكن التسجيل محدود.
كل تنقلاتنا للمشاركة في أي مكان، كان يتطلب انتظار ساعات طويلة للوصول، وتم النقل عن طريق باصات متوفرة من قبل الحكومة والكنيسة مجاناً، وهذه نعمة للجميع.
كان للبابا استقبال مهيب يوم وصوله مطار بغداد 5 آذار من قبل مسؤولي الدولة ومسؤولي الكنائس، وكان هناك الكثير من المسلمين في الاستقبال أيضاً، وفرق عديدة فلكلورية تراثية غنائية راقصة متنوعة تمثل كل مكونات شعبنا. على جانبي طريق المطار اصطف الكثير من الناس للترحيب بقدومه، ومن ضمنهم أختنا رجاء. بعد الظهر التقى في كنيسة سيدة النجاة مع المكرسين والمكرسات ومن ضمنهم أخواتنا إلس فداء ورجاء نور (عندما رآهم البابا فتح عينيه وابتسم لهم)، ومعلمي التعليم المسيحي وجماعة بيت عنيا التي تهتم بالمهمشين والفقراء وبعض الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
اللقاء المغلق بين قداسة البابا وآية الله علي السيستاني الذي لا يستقبل أحد كان لها صدى كبير في الشارع العراقي والإعلام وخاصة الشيعة. وقال شخصية إسلامية من الدولة، عمار الحكيم، إن اللقاء هو صورة ناصعة عن أهمية السلام والتسامح في حياة الإنسان.
حظيت مدينة ذي قار (حالياً أور) بالعناية والاهتمام من ناحية النظافة وتبليط الشوارع وتوصيل الكهرباء لها والتشجير والتزيين. فقد تم تسليط الضوء على هذه البقعة من الأرض المجحفة المنسية المهملة وغير المقدرة قيمتها حضارياً وتاريخياً ودينياً، فكانت مفاجأة للعراقيين بصورة عامة وخاصة المسلمين، وموضوع تساؤل عن كيفية الاستفادة مستقبلاً من أهمية هذه المدينة عالمياً، لا بل اقترح مسؤول جعل المكان الذي تم فيه اللقاء مكاناً للحج والصلاة.
صلى البابا مستذكراً مأساة الإيزيديين قبل عدة سنوات ودعا إلى نبذ العنف والتطرف والحقد، طالباً السلام لكل الشرق الأوسط وخاصة سوريا المعذبة… وأن يكون لنا الشجاعة لنعمل رحلة السلام لأبينا إبراهيم.
على أثر هذه اللقاءات، أعلن رئيس الوزراء بأن يوم 6 آذار سيبقى يوماً وطنياً للتسامح والتعايش في العراق. ودعا أيضاً جميع الأطراف لحوار وطني للمصالحة ومن ضمنهم المتظاهرين، ونأمل بأن يتجاوبون كافة الأحزاب والأطياف لإنجاحه ولخير البلد بأسره.
يوم الأحد، بالموصل، الأجواء كانت حذرة ورهيبة من كثرة رجال الأمن والجيش والشرطة بالشوارع فقط، حتى نحن لم نقدر أن نعبر السيطرات إلا أن جاء رتل بقيادة عميد عسكري وأخذنا مع موكب المطارين. جذبنا بكل شوارع الموصل صمت رهيب، هذا الصمت المتعطش للإصغاء لكلمات الحياة التي حملها البابا فرنسيس لكل إنسان، وبأن الأمل ما زال ممكناً في المصالحة وفي حياة جديدة.
الموصل كانت مزينة بصور البابا فرنسيس مع أعلام فاتيكان وآيات من الكتاب المقدس: «ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام. من أراد أن يكون كبيراً ليكن خادماً». كان مؤثراً جداً بهذه الجهة المنكوبة من المدينة، وكلها أنقاض من جراء ما عاشت مع داعش، وكأنها تدعو المسيح من خلال البابا بأن يأتي ليعيد الحياة إليها وينعش السلام فيها لتبنى من جديد وتكون علامة أمل ورجاء للجميع. وهذا ما أكد لنا ضرورة رجوعنا إلى الموصل ليستعملنا الرب لصنع سلامه، وهو من عمق دعوتنا، ونشكر الرب على موافقة الأخوة العامة لعيش خبرة لمدة سنة في الموصل في الساحل الأيسر قريب من كنيسة البشارة.
كنا خمسة أخوات (إيشواع، رائدة، نجيبة، نادين ماري وسعاد) وراهبتين فقط من الرهبنة الكلدانية المحلية. وما أثر بنا هو: أول من استقبله في مكان الاحتفال كانوا أطفال الروضة والابتدائية كلهم مسلمين، وأيضاً جماعة من الشباب المسلمين من مدينة الموصل وهم متطوعون تحت اسم شباب مريم العذراء التطوعي، وكانت بأيديهم أغصان الزيتون والأعلام. هم بينوا استعدادهم لتنظيف أخوتنا وتجهيزه مع الأب عمانوئيل (رائد)… وهذا دليل على التغيير بالعقلية من بعد كل الأحداث التي عاشوها أهل موصل في ظل حكم داعش.
فرحنا جداً لقربنا منه على مسافة مترين، ولما رآنا ابتسم ابتسامة جميلة جداً وكأن وجوهنا حقيقة مألوفة لديه.
في قرقوش كان ترحيب ساخن ومؤثر جداً، إذ بدأ بشكر الله لهذه الفرصة ليكون بينهم، والذي انتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر، ومن بين أقواله:
أيها الأحباء هذا الوقت ليس فقط لترميم المباني، ولكن أولاً وقبل كل شيء لترميم الروابط بين الجماعات والعائلات، الشباب والكبار في السن.
وختم اللقاء بصلاة التبشير الملائكي.
ثلاثة من عندنا ذهبنا إلى كرمليس التي هي قرية بجانب مدخل قرقوش، وبقينا في الشارع العام مع أهالي كرمليس لاستقبال قداسته عند مروره من بعد قرقوش، لكن تأثرنا جداً لسرعة مروره بالسيارة، وعدم استطاعة الناس أن تتبارك من مروره، وهذا كله بسبب التشديد الأمني الكثيف والوقت الضيق.
من بعدها توجهنا إلى بلدة عينكاوا في أربيل للغداء في السمنير العائد للبطريركية الكلدانية، الذي كان سابقاً في بغداد ومن بعد أحداث 2006 انتقل إلى عينكاوا.
طلب مدير السمنير الأب أكرم من أختنا ليا للاشتراك في تحضير الغداء مع مجموعة، وكانت مستعدة لهذه الخدمة، وهذه نعمة للأخوة بمشاركتنا وحضورنا.
وكان هناك استقبال كبير للبابا من الجماهير التي لم تستطع الاشتراك بالقداس على الشوارع، كان يشبه ما نوصفه بأوشعنا ليسوع في تاريخه أثناء دخوله أورشليم. ومن جهة أخرى كانت الجماهير الكردية بنفس القوة والاستقبال على الشوارع الطويلة لطريق الملعب.
ضمن القداس الإلهي في الملعب قام البابا برتبة تبخير تمثال لأمنا مريم العذراء كان قد نقل من كرمليس، التي كانت قد قطع رأسها وأيضاً يديها من قبل داعش. ولكن بعد عودة الكنيسة إلى هذه البلدة، قام الأب بولص ثابت راعي الخورنة، بتلصيقها وتنظيفها وتحصينها في بيت زجاجي لتبقى ضمن التراث.
كان حضور كبير في الملعب، 10000 شخص، للمشاركة قادمين من جميع المحافظات والقرى التابعة لإقليم كردستان. كنا نحن سبعة أخوات، وفرحنا بمشاركة أختنا رمزية بقراءة الطلبة بطلب من الأسقف بشار راعي إيبارشية أربيل. ومن كلمات البابا المشجعة والتي تعطي دفع كبير لنا جميعاً:
اليوم أستطيع أن أرى وألمس لمس اليد أن الكنيسة في العراق حية، وأن المسيح حي ويعمل في شعبه المقدس والمؤمن. السلام، السلام، السلام. شكراً، شكراً العراق، دائماً سيبقى في قلبي. أطلب منكم جميعاً أيها الأخوة والأخوات الأعزاء أن تعملوا معاً متحدين من أجل مستقبل سلام وازدهار لا يهمل أحداً. أؤكد لكم صلاتي من أجل هذا البلد الحبيب.
ونؤكد لك صلاتنا من أجلك يا بابا فرنسيس الحبيب.
رغم كل ما ذكرناه من الإيجابيات، لا نذكر كل الأصوات المضادة لهذه الزيارة والتي فسرتها حسب مفاهيمها ومصالحها الشخصية ببقاء البلد في تمزق. صلوا معنا حتى نتوب معاً إلى الله الواحد.
نشكر الله على زيارة البابا في بلدنا الحبيب، وعلى جو الاحتفالي والفرح الذي عشناه تلك الأيام. نحن أخوات العراق تأثرنا من كل رسائلكم وصلواتكم التي كانت ترافقنا من كل أقطار العالم، وكلنا امتنان وشكر لكل واحدة منكم باسمها، نبقى متحدات بالصلاة.
أخواتكم أخوات يسوع الصغيرات في العراق
