بزوغ الدعوة وتوضيحها
أخذني الله بيدي، وبثقة عمياء تبعته.
بهذه الكلمات الوجيزة تختصر الأخت مادلين مسيرتها مع الربّ الذي اختارها لتأسيس «الأُخوّة». لقد أبصرت النور في فرنسا سنة 1898، قبيل الحرب العالميّة الأولى، في المنطقة الحدوديّة التي تفصل بين ألمانيا وفرنسا. وهذا ما أدّى بها إلى أن تختبر بشاعة الانقسامات والحواجز التي تفرّق بين الناس. ومنذ ذلك الحين لم تعد تتحمّل أيّ حاجز يقيمه الإنسان بينه وبين إخوته.
في غضون عام 1920، قرأت كتاباً كان قد صدر حديثاً عن حياة شارل دي فوكو، فوجدت فيه كما قالت «الإنجيل المُعاش، والفقر التامّ، والاندماج في وسط الشعوب المُهمَلَة، وبالدرجة الأولى الحبّ بملئه»، فعزمت السير على خطاه. انطلقت إلى الجزائر مع رفيقة لها، وبذلت كلّ طاقاتها في مؤسّسة خيريّة سمّتها «مؤسّسة الأب دي فوكو» إلى أن توضّح لها أنّ الربّ كان قد دعاها لاتّباعه في خطّ مغاير.
لقد وهبني الله دعوة للحياة التأمليّة، إن لم تكن في نطاق حصن الدير، فهي على الأقلّ دعوة لحياة تأمليّة مندمجة في العالم لأجعل الربّ حاضراً فيه مثل العذراء في زيارتها لأليصابات، فأحمل له لا المساعدة الماديّة فحسب، بل اليقين بحبّ الربّ له. لقد كانت هذه دعوة الأخ شارل بالذات الذي بقي في عمله ونشاطه الكثيف من أعظم التأمليّين في عصره.
على هذا الأساس، وبعد فترة التنشئة الرهبانيّة الضروريّة، أبرزت الأخت مادلين نذورها في 8 أيلول/سبتمبر 1939 هي ورفيقتها آن، وبالتالي يُعتبر هذا التاريخ الانطلاقة الأولى لتأسيس رهبنة «أخوات يسوع الصغيرات».
التأسيس في العالم العربيّ
عقب الاحتفال بالنذور، ذهبت الأخت مادلين ورفيقتها إلى صحراء الجزائر، واستقرّتا في واحة توقرت بين العرب الرحّل الذين أرغمهم الفقر على التجمّع للبقاء على قيد الحياة. فتعاونت معهم في بناء بيت الأُخوّة وانعقدت أواصر الصداقة بينها وبينهم.
أودّ أن تصدّقن أنّه يمكن وجود صداقة حقيقيّة، بل عاطفة عميقة تربط بين أناس ليسوا من ذات الدين أو العرق أو المحيط. على حبّنا أن يكبر ويتميّز بالرقّة والحنان. إنّ الحبّ النبيل متوفّر بسهولة، لكنّ الحبّ المرهف المتميّز بالاحترام لكلّ إنسان فهو نادر جدّاً.
تكاثر الدعوات
في السنوات الأولى من تأسيس الأُخوّة بدأت الدعوات تتكاثر. فتحقّقت الأخت مادلين من ضرورة العثور على بيت لاستقبال هذه الدعوات في فرنسا، ولتزويدها بالتنشئة المطلوبة قبل إرسالها إلى الصحراء. وهكذا حظيت بالبيت الذي طالما حلمت به في أكس، جنوب فرنسا، فجعلت منه أُخوّة للتنشئة.
في خضمّ الحرب العالميّة الثانية، ذهبت الأخت مادلين إلى روما لتأتمن قداسة البابا بيوس الثاني عشر كلّ ما تحمله في قلبها من خواطر حول تأسيسها الجديد وأعزّ رغباتها. فأصغى إليها بعطف كبير وبارك كلّ ما كانت تقوم به.
توسّع الأفق
وإذ كانت الرهبنة قد تأسّست منذ البداية من أجل المحيط الإسلاميّ حصراً، فوجئت الأخت مادلين في منتصف سنة 1946 بقناعة جديدة قد امتلكتها.
تيقّنت فجأةً، وكأنّ نوراً داخليّاً باهراً كان يفرض ذاته عليّ، أنّ على الأُخوّة أن تمتدّ وتنتشر في العالم كلّه وتصبح شاملة.
وهكذا، بسرعة كبيرة، تأسّست أُخوّات جديدة في بيئات مختلفة وفي كلّ أطراف العالم، أوّلها الأُخوّة العمّاليّة في أكس حيث تشاطرت الأخوات والعمّال داخل المصنع عملهم الشاقّ. ثم نشأت أُخوّة أخرى وسط الغجر الذين استقبلوا الأخوات بحفاوة وترحاب، ومن بعدها في المحيط الريفيّ وفي محيطات أخرى أيضاً.
تعرّفت الأخت مادلين في هذه الأثناء على الكنائس الشرقيّة التي تعيش بين المسلمين وتشهد لإيمانها الحيّ فيما بينهم. فأتت إلى الشرق وأسّست الأُخوّات في مختلف البلدان العربيّة أوّلاً وفي كلّ من كنائسها، ثم قرّرت تأسيس أُخوّات في سائر بلدان الشرق. وكانت ترى في ارتباط الأُخوّة بالكنائس الشرقيّة دافعاً هامّاً يساعدها على البقاء دائماً أمينة لدعوتها ولتكريسها الأوّل للشعوب الإسلاميّة.
من العالم العربيّ إلى العالم أجمع
ليلة عيد الميلاد سنة 1949، سلّمت الأخت مادلين المسؤوليّة العامّة إلى الأخت جان، الحديثة السنّ. ومعها ومع الأب ڤوايوم، مؤسّس رهبنة «إخوة يسوع الصغار»، قامت بجولة عبر العالم لتؤسّس أُخوّات في كلّ القارّات والبلدان وفي مختلف الأوساط التي كانت تناديها.
- في أفريقيا، داخل الأكواخ الفقيرة للغاية وبين القبائل المنعزلة النائية.
- في أميركا اللاتينيّة، حتى قلب الأَراغوايا في البرازيل لتصل إلى قبيلة صغيرة اسمها «التاپيراپه» مهدّدة بالانقراض، وأيضاً في ضواحي العواصم الضخمة التي تعاني من الفقر الشديد.
- في أميركا الشماليّة، حيث اجتذبتها مقاطعة آلاسكا الجليديّة وشعب الإنويت، كما اجتذبتها مدينة هوليوود فأسّست أُخوّة فيها علامة لحبّ الربّ لهذا المحيط.
- في آسيا، حيث تأسّست أُخوّة موقوفة للصلاة في بينارس وسط المعابد الهندوسيّة في الهند، وأُخوّات عديدة في الڤيتنام حيث كانت الحرب قائمة بضراوة، وفي سائر بلدان آسيا وأوقيانيا.
- في أوروبا، حيث كانت تبحث عن الأقليّات المهمَلة أو المهدّدة بالتلاشي والزوال، أو تلك التي يزدريها العالم عامّةً، مثل محيط الدعارة والسجون وعالم المخدّرات وأوساط السيرك والغجر.
لن أكون سعيدة إلاّ عندما أكون قد وجدت على سطح الكرة الأرضيّة القبيلة الأكثر افتقاراً إلى التقدير والتفهّم، والإنسان الأشدّ بؤساً، لأقول له: الربّ يسوع هو أخ لك، وقد رفعك على مستواه، وأنا جئت إليك لكيما تقبل أن تصبح أخاً لي وصديقاً.
في بلدان الاتّحاد السوفياتيّ سابقاً
في سعيها هذا، ذهبت إلى البلدان الشيوعيّة في أوروبا الشرقيّة، حتّى روسيا. ورأت أنّها لا تستطيع النفاذ إلى هذه البلدان إلاّ بحجّة السياحة. ولكي تحافظ على حريّة التصرّف والتحرّك فيها، هيّأت شاحنة بشكل بيت صغير دعته «الشهاب». وفي هذه الأُخوّة المتنقّلة كانت تسافر كلّ سنة مع الأخوات، تساند المسيحيّين المضطهدين في هذه البلاد وتوطّد الصداقة معهم، الأمر الذي سمح بعد مرور زمن بتأسيس بعض الأُخوّات في كلّ من هذه البلاد.
لنذهب بالأفضليّة إلى حيث لا يذهب أحد، مستعدّات للانطلاق إلى أقاصي العالم لنحمل إليه رسالة الإنجيل فنصبح ثمّة شهوداً للمسيح.
لم يعد مسموحاً لنا أن نترك أناساً يتألّمون من دون أن نذهب إليهم بحجّة المحافظة على أنفسنا، وبذلك نكون أشبه بالجنديّ الذي، حرصاً منه على أناقة بزّته العسكريّة، يتجنّب طين الخنادق وخطر إصابات الرصاص.
اعتراف الكنيسة بدعوة الأُخوّة
سنة 1960 خضعت الأُخوّة لزيارة رسوليّة من قِبَل قداسة البابا يوحنّا الثالث والعشرين، لأنّ الأُخوّة كانت قد طلبت من روما الاعتراف بها رسميّاً. دامت هذه الزيارة الرسوليّة سنة كاملة قبل وفاة البابا بقليل. فانتُخب البابا بولس السادس خليفة له، وغمر الفرح قلب الأخت مادلين إذ كانت تطلعه منذ البداية على كلّ أمور الأُخوّة وكان يشجّعها دوماً في كلّ ما كانت تقوم به.
حظيت الرهبنة بالاعتراف الحبريّ بها سنة 1964. وجاء البابا بولس السادس بنفسه ليزور الأُخوّة العامّة في تري فونتانه في روما.
أتيت لأتعرّف إلى الأُخوّة، لأتعرّف إلى هذا المركز، لأتعرّف إلى هذه الأسرة الروحيّة التي أصبحت كبيرة. أتيت أيضاً لأعترف بها باسم الكنيسة. جئت لأعلن أنّ الكنيسة سعيدة حقّاً وفخورة بوجود الأُخوّة وبحضورها. ولو آثرت الأخوات أن يشغلن المكانة الأكثر خفاءً، فاعلمن أنّ الكنيسة تراكنّ، وترنو إلى الأُخوّة بعطف وحنان، تحبّها وتباركها.
مبادرات جديدة لمواكبة تغيّرات عصرنا
إثر المجمع الڤاتيكانيّ الثاني، طُلب من كلّ الرهبانيّات القيام بمجمع خاصّ لتجديدها كي تتلاءم وحاجات العصر الجديد. فانفتحت الأُخوّة على عالم الشباب الذين كانوا يرفضون المجتمع الاستهلاكيّ باحثين عن مجتمع آخر يتوافق وتطلّعاتهم ويعطيهم السعادة الحقّة، وتأسّست بعض الأُخوّات فيما بينهم.
تأسّست أيضاً أُخوّات ذات طابع مسكونيّ، تهدف إلى التقارب بين المسيحيّين وتسعى إلى الوحدة عبر العلاقات اليوميّة والصداقة المبنيّة على الاحترام المتبادل وانفتاح القلب.
في السنوات التي تلت، لم تتوقّف الأُخوّة عن الاندماج في محيطات جديدة وعن التطوّر الضروريّ كي تواكب تغيّرات العصر الكبيرة والسريعة. كما انفتحت على بلدان جديدة مثل الصين الشعبيّة الشاسعة الأطراف، وقد ذهبت الأخت مادلين إليها وهي في الحادية والثمانين من عمرها، يقيناً منها كما في البدايات أنّ «في ضعف الوسائل البشريّة تكمن قوّة الله».
زيارة البابا يوحنّا بولس الثاني
بعد زيارة البابا بولس السادس، زار أيضاً البابا يوحنّا بولس الثاني الأُخوّة العامّة في تري فونتانه سنة 1985. ولمّا شاهد حشد الأخوات والإخوة ملتفّين حوله، جالسين على الأرض في قاعة الاجتماعات، ابتسم وقال مشجّعاً:
إنّكم جالسون أرضاً، وهذا وضع جيّد، وضع ينسجم مع هويّتكم الروحيّة ومع دعوتكم. إنّها دعوة شجاعة لأنّها دعوة فريدة… أودّ بهذه الكلمات أن أثبّت دعوتكم في الكنيسة. أريد أن أجدها في الكنيسة. وأؤكّد لكم أنّها دعوة أصيلة، عصريّة وضروريّة.
اليوبيل الخمسينيّ لتأسيس الأُخوّة
في سنة 1989 احتفلت الأُخوّة باليوبيل الخمسينيّ لتأسيسها، وحظيت من جديد بمقابلة مع البابا يوحنّا بولس الثاني.
إنّ هذا اليوبيل يجعلني أفكّر أنّ الربّ يجدّد بدون انقطاع قوى كنيسته. لقد نالت رهبنة أخوات يسوع الصغيرات من الله نعمة ابتداع حضور جديد فريد من نوعه في عالم الفقراء، على غرار الأخ شارل يسوع. باسم الكنيسة ومن كلّ قلبي، أشكر الله على الحيويّة الإنجيليّة التي انتشرت من خلال شمل الأخوات في الأوساط البشريّة الأكثر حرماناً.
وفاة الأخت مادلين
بعد الاحتفال باليوبيل، أخذت صحّة الأخت مادلين تتدهور بسرعة، وتوفّيت في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1989. وفي مساء يوم دفنها انهار جدار برلين الفاصل بين الجزئين الشرقيّ والغربيّ من عاصمة ألمانيا. فرأى الجميع أنّ مناسبة ذلك الحدث التاريخيّ العظيم لم تأتِ من قبيل الصدفة العابرة، إذ لا تخفى على أحد المحبّة الخاصّة التي كانت تكنّها للبلدان الشيوعيّة، وسعيها الدؤوب إلى إزالة كلّ الحواجز القائمة في عالمنا والتي تفصل بين جميع الأطراف.
نُعيّد كلّ سنة في 26 نيسان/أبريل ذكرى ميلاد الأخت مادلين، وتبقى مسيرتها شاهدةً لإيمان «ينقل الجبال ويقتلع الصخور» ولثقة بأنّ الله يقود الأُخوّة في كلّ مكان.
